أبي منصور الماتريدي
415
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لك ؟ ! أو كيف تحتمل عقولهم عصيانا - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائكة تأبى علينا العقول ذلك ؟ ! فقال الله عزّ وجل : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . أي : أمتحنهم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أنفسهم - تعتريهم « 1 » أنواع الغفلة ، ويصعب عليهم التيقظ ؛ لكثرة الأعداء لهم ، وغلبة الشهوات ؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك . وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه . فأخبر أنه يعلم ما لا تعلمون ؛ إذ بذلك بيان الأولياء والأعداء ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له ، أو لمنفعة له ؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أمر به . وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عبرا وعظة ؛ فيكون في عقوبة العصاة ووعيدهم مزجر لغيرهم وموعظة ، ولغير ذلك من الوجوه . والوجه الآخر : أن يكون المعنى من قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها على الإيجاب ، أي : أنت تفعل ذلك ؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر ، ولا لك في خلق من يطيعك نفع ، جل ثناؤك ، من أن يكون فعلك لأحد هذين . وذلك كقوله : أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ . . . الآية [ النور : 50 ] على إيجاب ذلك ، لا على الاستفهام . مع ما يحتمل أن الألف زائدة ؛ كقوله : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [ القصص : 19 ] ، وقوله : أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] بمعنى : إنكم وتريد « 2 » ، وذلك يرجع إلى الأول . وقال : ومعنى قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون ، ولم يكن أعلمهم ما فيهم من الرسل والأخيار ، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأخيار فيهم ؛ ولذلك ذكّرهم عند سؤال الإنباء بما أعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أن جعله بمعنى نبي إلى الملائكة بما علمهم الأسماء . ولم يكن بلغ توهمهم أن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب
--> ( 1 ) في أ : تغيرهم . ( 2 ) في أ : تريدون .